ابن عجيبة
117
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
هذه العظائم القبيحة التي جمعهن الكفرة شيئا ، حيث كانوا مع إشراكهم به - سبحانه - مداومين على قتل النفوس المحرمة ، التي من جملتها الموؤودة ، منكبّين على الزنا ، لا يرعوون عنه أصلا ، فنفى هذه الكبائر عن عباده الصالحين ؛ تعريضا بما كان عليه أعداؤهم ؛ من قريش وغيره ، كأنه قيل : والذين طهرهم اللّه مما أنتم عليه . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه : « قلت : يا رسول اللّه ؛ أىّ الذّنب أعظم ؟ قال : أن تجعل للّه ندّا وهو خلقك ، قلت : ثمّ أىّ ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ، قلت : ثمّ اىّ ؟ قال : أن تزاني بحليلة جارك » . فنزلت الآية تصديقا لذلك « 1 » . الإشارة : قد تضمنت الآية أربعة أصناف من الناس على سبيل التدلي ؛ الأول : الأولياء العارفون بالله ، أهل التربية النبوية ، ومن تعلق بهم من أهل التهذيب والتأديب ، وإليهم أشار بقوله : وَعِبادُ الرَّحْمنِ . . . إلخ ، وفيهم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت أقواما من أمتي ، ما خلقوا بعد ، وسيكونون فيما بعد اليوم ، أحبهم ويحبوننى ، ويتناصحون ويتباذلون ، يمشون بنور اللّه في الناس رويدا ، في خفية وتقى ، يسلمون من الناس ، ويسلم الناس منهم بصبرهم وحملهم ، قلوبهم بذلك إليه يرجعون ، ومساجدهم بصلاتهم يعمرون ، يرحمون ضعيفهم ، ويجلون كبيرهم ، ويتواسون بينهم ، يعود غنيهم على فقيرهم ، وقويهم على ضعيفهم ، يعودون مرضاهم ، ويشهدون جنائزهم ، فقال رجل من القوم : يرفقون برقيقهم ؟ فالتفت إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : كلا ؛ لا رقيق لهم ، وهم خدام أنفسهم ، هم أكرم على الله تعالى من أن يوسع عليهم ؛ لهوان الدنيا عند ربهم . ثم تلى النبي صلى اللّه عليه وسلم : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً . . . الآية . رواه أبو برزة الأسلمي ، عنه صلى اللّه عليه وسلم . الثاني : العباد والزهاد ، أهل الجد والاجتهاد ، أهل الصيام والقيام ، الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ، أقامهم الحق تعالى لخدمته ، كما أقام الأولين لمحبته ومعرفته . الثالث : الصالحون والأبرار ، الذين يعبدون اللّه طمعا في الجنة وخوفا من النار ، ومن كان منهم له مال أنفقه في سبيل اللّه ، من غير سرف ولا إقتار . الرابع : عامة الموحّدين من أهل اليمين ، المجتنبون لكبائر الذنوب ، المسارعون بالتوبة إلى علام الغيوب . واللّه تعالى أعلم . ثم أشار إلى وبال من فعل شيئا من ذلك ولم يتب ، فقال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ . . .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( التفسير - سورة الفرقان ، باب « والذين لا يدعون مع اللّه إلها آخر » ح 4761 ) ، ومسلم في ( الإيمان ، باب كون الشرك أقبح الذنوب ، 1 / 90 ح 141 ) .